بعد ثلاثة عشر يوماً على احتجاز الرئيس سعد الحريري في الرياض، حقق الفرنسيون اختراقاً تمثل بإعلان انتقال الحريري إلى باريس برفقة عائلته في اليومين المقبلين. هذه «الخاتمة» جاءت بعد مفاوضات بدأها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان الثلاثاء الماضي، واستكملت الليلة الماضية مع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.
البيان المقتضب الذي صدر عن الإليزيه عصر أمس لم يتجاوز السطرين، مكتفياً بعرض مكالمة ماكرون الهاتفية مع ابن سلمان، وإتباعها بمكالمة ثانية مع الحريري، ودعوته وعائلته إلى باريس. ولم يشرح البيان الرئاسي طبيعة «الصفقة» أو الضمانات التي تحفظ ماء وجه السعوديين، والتي سمحت بتحقيق الاختراق ــــ التفاهم الذي سيسري حتى ما بعد إجراء الانتخابات النيابية في أيار المقبل، وسيتحكم بالمعادلة الحكومية في لبنان.

لكن الواضح أن هذه «الصفقة» تعيد الفرنسيين لاعباً إضافياً في المشهد السياسي اللبناني، إلى جانب الأميركيين والسعوديين والإيرانيين، وذلك بعد رجوعهم إلى موقع وسطي لبناني وإقليمي، وبفضل تموضعهم على مسافة أقرب من إيران بتمسكهم بالاتفاق النووي، ومراجعة سياستهم في سوريا والتخلي عن الحرب بالواسطة ضد دمشق. ويسمح ذلك لدبلوماسية ماكرون الجديدة بمقاربة هذا الدور بعد طول مغادرة الفرنسيين إياه، بسبب انحياز إدارات أسلافه، جاك شيراك (في نهاية ولايته) ونيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، إلى السعودية وفريق 14 آذار ضد المقاومة.
المفاوضات التي أفضت إلى السماح للحريري باصطحاب أفراد أسرته من الرياض إلى باريس، كانت قد بدأت بعد وصول وزير الخارجية جبران باسيل إلى الإليزيه، وتسليمه الرئيس الفرنسي رسالة خطية من الرئيس ميشال عون، حملت طلباً لبنانياً بتسهيل استرداد رئيس الوزراء المحتجز ليتمكن من العودة إلى بيروت، وتقديم استقالته وفق الأصول الدستورية إذا شاء ذلك. وقد وعد ماكرون بالقيام بخطوات عملية بدأها، فور مغادرة الوفد اللبناني، باتصال هاتفي طويل مع ابن سلمان، ناقلاً مضمون الرسالة اللبنانية، بحسب مصادر فرنسية، وركز فيها بشكل خاص على استرداد الحريري وأفراد أسرته، بعدما تبين أن الرياض قد تحتفظ بعائلة الحريري لابتزازه سياسياً وضمان تنفيذه شروطها. علماً أن الرئيس عون كان قد ألحّ أيضاً على اعتبار الأسرة كلها محتجزة، ما يجعل عودة الحريري من دونها إنجازاً غير مكتمل. وبحسب المصادر، استمهل ابن سلمان الرئيس الفرنسي ساعات للنظر في الأمر. وعاود ماكرون الاتصال بعد ظهر أمس بولي العهد السعودي الذي قدم موافقة على إنهاء احتجاز الحريري، شرط توجهه إلى باريس، وليس إلى بيروت، وبقائه في العاصمة الفرنسية بضعة أيام. وكان الاقتراح الفرنسي بتوجه الحريري إلى باريس قد طرح قبل أسبوع خلال مفاوضات سابقة بين الأجهزة الأمنية الفرنسية والسعودية، ولم تنجح رغم أن الفرنسيين اقترحوا تأمين خروج العائلة أولاً، قبل التوصل إلى حل لإخراج الحريري نفسه بحسب مصادر فرنسية مطلعة.
الرئيس الفرنسي الموجود في العاصمة الألمانية للمشاركة في قمة المناخ، حرص على التأكيد أن باريس لن تكون منفىً سياسياً للرئيس الحريري، وهي إحدى الضمانات التي قدمت إلى الجانب اللبناني، مشيراً إلى أن بقاءه في باريس لن يتجاوز بضعة أيام، وستكون وجهته التالية لبنان «حيث نحتاج لزعماء لديهم الحرية في خياراتهم ويمكنهم التحدث بحرية».
مصدر فرنسي لـ «الأخبار» في الرياض أبلغ «الأخبار» أن الضمانات التي طالب بها السعوديون وتفاصيل إنهاء الاحتجاز كانت لا تزال قيد التفاوض في اللقاء الذي جمع ابن سلمان ولودريان ليل أمس.
وفي بيروت أوضح مصدر حكومي لـ«الأخبار» أن ماكرون دعا الحريري إلى غداء في الإليزيه فور وصوله إلى باريس، جازماً بأنّ ذلك سيحصل قبل الأحد المقبل.

وفيما تكرس أسرة الحريري الأيام الثلاثة المقبلة لتوضيب الحقائب، سيكرس الحريري الوقت نفسه للبحث جدياً، وخارج الإكراه على الاستقالة الذي استمر ثلاثة عشر يوماً، في التوصل إلى اتفاق سياسي مع السعوديين، ووضع خريطة طريق لمرحلة ما بعد باريس، وتثبيت استقالته دستورياً، تنفيذاً للتفاهمات التي ضمنها الإليزيه. لكن التفاهمات السعودية ــــ الفرنسية لن تسمح بتحقيق أهداف عملية احتجاز الحريري بإبعاده عن العمل السياسي. إذ إنها ستؤدي، كما يتوقع المصدر الحكومي، إلى إعادة تكليفه مجدداً بتشكيل الحكومة المقبلة، ولكن من دون أن يتمكن من التأليف. وبالتالي، ستبقي خريطة التفاهم على الحريري رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، لكنها ستحفظ التسوية السياسية التي قامت عليها والتي يقول السعوديون إنها أطلقت يد حزب الله في الإقليم، وصولاً الى اليمن. وتشمل الضمانات الفرنسية الإبقاء على هذه التسوية وتأجيل البحث بها حتى تشكيل الحكومة الجديدة. إذ إن هناك إجماعاً أوروبياً ــــ أميركياً على دعم الاستقرار في لبنان، والذي بات يرتبط بشكل وثيق بالاستقرار والأمن في نطاق أوسع، يمسّ حوض المتوسط بأكمله.
وترتبط الخشية الأوروبية من تعرض الاستقرار في لبنان للاهتزاز بوجود أكثر من مليون نازح سوري، قد يشكلون موجات نزوح جديدة من ملجئهم اللبناني إذا قدِّر له أن يشتعل مجدداً، وهو ما كان السعوديون يخاطرون به باحتجازهم الحريري. وكان واضحاً حضور هذه الخشية في بيانات وزارات الخارجية الأوروبية والأميركية طوال أيام الاحتجاز. وعبّر خطاب البيت الأبيض عن ذلك بوضوح بقوله إن الحريري «شريك موثوق وقوي في التعاون في قضية اللاجئين». علماً بأن توقيت الهجوم السعودي، وتحريض إسرائيل على شن حرب بالوكالة على لبنان، يخالفان التوقيت الأميركي ــــ وحتى الإسرائيلي ــــ وتقديراتهما. إذ إن موازين القوى الجديد التي استقرّت لمصلحة محور المقاومة بعد الانتصارات الميدانية في سوريا والعراق، والصمود في اليمن، صبّت في سياق تعزيز قدرة المقاومة على المواجهة. كذلك فإن الأسباب التي تحول دون شنّ إسرائيل حرباً جديدة، لم تتغير، بل تعززت، الأمر الذي لم يأخذه السعوديون في الحسبان. وبذلك، لن يكون بالإمكان الانقلاب على التسوية السياسية القائمة، لا قبل تآليف حكومة جديدة، ولا بعدها، لأن التطورات الميدانية في المنطقة لن تسمح بتشكيل حكومة وفق شروط ابن سلمان الذي حاول خلال أزمة الحريري فرض إقصاء حزب الله عن المؤسسات الدستورية اللبنانية. وسيكون ذلك أكثر صعوبة بعد الضربة التي وجهتها السعودية بنفسها إلى فريقها في لبنان، والذي سيحتاج إلى وقت طويل للملمة أشلائه، بعد احتجاز زعيمه في السعودية.