بين تصريح رئيس جمهورية ايران الاسلامية السيد حسن روحاني (من أن السعودية لن تحقق أي شيء بتهديدها لإيران. )” وأنهم (يعرفون قدرة ومكانة الجمهورية الإسلامية، ومن هم أكثر قوة وسلطة منهم لم يتمكنوا من فعل أي شيء ضد الشعب الإيراني. الولايات المتحدة وحلفاؤها تحركوا بكامل إمكانياتهم، لكنهم لم يحققوا شيئا”.) وبين تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (سننقل الحرب الى الحدود الايرانية)و(: تزويد إيران الحوثيين بالصواريخ “عدوان قد يرقى إلى أعمال الحرب”)!! مسافة ليست بالقليلة , وربما يصعب تصورها , وان كانت الخلافات بين المملكة والجمهورية الاسلامية شهدت في بعض مراحلها توترا خطيرا , خاصة بعد سلسلة الاعتداءات التي تعرض لها الحجاج الايرانيون في مواسم حج متعددة , لكنها بقيت في حدود الحرب الاعلامية , واشد ردة فعل لايران كانت بالتظاهر أمام السفارة السعودية في طهران , وسرعان ماتم الاعتذار .
الحكام السعوديون – خاصة بعد تسلم ال سلمان السلطة- صعدوا من منسوب تصريحاتهم , اتجاه ايران , الى الحد الذي هددوا بنقل الحرب الى الحدود الايرانية كما جاء على لسان ولي العهد ومن قبل وزير الخارجية (الجبير) وبعد ذلك وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان !!
والسؤال الذي يطرح ويتداوله الاعلام في الوقت الحاضر :- لماذا هذا التصعيد من قبل السعودية على ايران؟
عبّر بعض الشباب السعوديين عبر تغريدات لهم وتهكمهم على دولتهم في عدائها الى ايران , بالسؤال عن سبب البطالة في المملكة فقالوا (لاتحتاج الى تفكير فالجواب جاهز :-ايران)!!
حتى هذه اللحظة لم تستطع السعودية ان تجيب على اسئلة شعبها في اسباب حربها على دولة اليمن , فهي منذ عامين ونصف لم تبقي قذيفة ولاصاروخا في مخازنها الا واطلقته على شعب اليمن دون سبب يذكر سوى (الحوثيون لهم علاقة بايران) !!
هل يكفي أن تكون لشعب او دولة علاقة بدولة اخرى سببا في الحرب ؟ فاذا وافقنا هذا الرأي يجب ان نحاسب السعودية اولا على علاقتها بامريكا واسرائيل ودفعها 450مليار دولار الى ترامب لمجرد اطالة عمر النظام !! ثم ان دول العالم حرة في اختيار علاقاتها , وتحدد ذلك مجموعة المصالح المشتركة والتوافقات والمعاهدات وليس من حق دولة محاسبة دولة اخرى على علاقاتها واذا ما رأت ذلك فيمكن أن توقع ذلك في دائرة الانتقاد , اما أن تتحول الى تهديد ووعيد ثم الى حرب ابادة لمجرد , (استشعار) بان للحوثيين علاقة مع الجمهورية الاسلامية , فهذا أمر ابتدعته السعودية وحكامها ومما لم نالفه من قبل, والغريب في الامر أن السعودية وحتى الان , لم تعثر على دليل واحد , على وجود علاقة بين الحوثيين , وبين الجمهورية الاسلامية , !! لكنها تحاسبهم على انتمائهم الطائفي لاغير !!
اخر بدعة للحكومة السعودية انها تحمل ايران مسؤولية الصاروخ البالستي الذي اصاب مطار الرياض الدولي قبل ايام , منطلقا من اليمن وقد أجاب اليمنيون على سؤال ولي العهد السعودي بأن أهل اليمن هم من طوّروا الصاروخ البالستي واطلقوه دفاعا عن انفسهم !!
الحرب مع اليمن مضى عليها عامان ونصف , واستهلكت الالة العسكرية السعودية والاموال ناهيك عن الخسائر البشرية , وليس هنالك من حلّ يلوح في الافق.
السعودية ورطت نفسها في سوريا , ودعمت جبهة النصرة (الارهابية) وحاولت ، أن تكون جزءا من الحل في سوريا , وانفقت المليارات في ذلك , لكنها خرجت بخفي حنين , وما راهنت عليه من ابعاد بشار الاسد عن السلطة ماعاد ضمن الحلول , بل ترسخ بشار اكثر !! كما خسرت تركيا في علاقاتها , وعموم الاحزاب الاسلامية التي تصدرت السلطة بعد الربيع العربي , وحاولت أن تصنع حكومة لبنان وفق مقاساتها فاصطدمت بارادة سياسية أقوى حين تم تشكيل حكومة (لبنانية) لم يخرج أحد خاسرا فيها , فشكل ذلك انزعاجا ودفع بها الى استدعاء الحريري الى المملكة ووضعه تحت الاقامة الجبرية فخسرت الشعب اللبناني بكل اطيافه !!
كانت السعودية ترى في نظامها هو المهيمن على دول الخليج , وتعتقد أنها تمثل دور (الابوة) والراعي لمصالح الانظمة الخليجية , فراحت تخسرهم الواحد تلو الاخر بسبب سياستها الفاشلة معهم , واخرهم دولة القطر التي تفرض عليه حصارا صارما , وما في ذلك من تداعيات داخلية وخارجية على السعودية وعلى دول الخليج الاخرى .الوضع السياسي في المملكة فيه ارباك كبير , فبالاضافة الى نزعة التغيير التي باتت جزءا من يوميات الشعب, وهو يرى أمواله تذهب سدى في جيوب الاميركان لمجرد اطالة عمر النظام , ناهيك عن حجم البطالة وتوقف التنمية , ونوع النظام الملكي الوراثي المتسلط على رقاب الشعب , وهم يرون أن المرء يولد في السعودية ويجد (ثلاثة أولياء يحكمون مستقبله ) دون أن يكون له راي بذلك !! وان الاجراءات الاخيرة وما شهدت من اعتقالات لشخصيات سياسية واصحاب رؤوس اموال ومقربين من القصر الملكي من السعوديين تمثل سابقة خطيرة , على السلوك السياسي السعودي المعتاد , فهي وان اعتقلت لمرات اسماءا وعناوين دينية وسياسية لكن الرقم الاخير هو الاكبر , باعتبار ان لكل من هذه الاسماء جذوره وارتباطاته الدينية والقبلية والسياسية داخل المملكة وخارجها , وتداعياتها ليست بالهينة .
السعودية لم تحاول أن تستفيد من الاموال التي جنتها من ريع النفط ولا من الساحة الدينية , ولا من موقعها وسعة ارضها , فما زالت تعتمد على مدخولات النفط دون ان تفكر بتطوير انسانها علميا اوثقافيا , وان عدد نفوس المملكة يقابله عدد اكبر من العاملين الاجانب الذين سخّروا للخدمة في المنازل وليس في المعامل والمؤسسات !
الجيش السعودي رقم مجهول , فهم يدعون ان لديهم (500)الف جندي , فيما الوقائع تؤكد أنهم لايملكون نصف هذا العدد , وأن معظم العسكر من الاجانب ويشكل اليمنيون ثلث العدد , وهذا ماسبب لهم مشكلة في حربهم القائمة مع اليمن , كما ان كبار ضباطهم هم من الباكستان والهند ودول اسيوية اخرى , وان الاسلحة التي يشترونها ,لاتناسب حاجتهم حتى ان هنالك من يشكك في قدرتهم على استخدامها, والدليل أن الجيش السعودي لم يشهد استعراضا عسكريا منذ تاسيسه وحتى الان !!
ان القلق الذي تبدية المملكة العربية السعودية اتجاه ايران ناتج عن فشلها , وان هذا الفشل لابد ان يتحمله النظام الحاكم , لا أن تتحمله دول أخرى .
المتابعون للشأن السعودي يؤكدون أن السعودية ظلت لأعوام تراقب تأثيرها الإقليمي المتراجع في مقابل تأثير إيران المتزايد في ظل الانتصارات التي حققها أصدقاء طهران في سوريا والعراق، في مقابل الخسائر التي منيت بها فصائل المعارضة السورية المدعومة من السعودية,و إن السعودية حاولت استخدام السبل الدبلوماسية في محاولة لاسترجاع بعض من تأثيرها المتلاشي فقامت مؤخرا بالتواصل مع الحكومة العراقية، وزار أحد مسؤوليها الرقة بتنسيق مع “قوات سوريا الديمقراطية”، لكن يبدو أنها دخلت الميدان متأخرة , وقد نسي هؤلاء المتابعون أن النجاح في ثبات ايران لايقع في التاثير الخارجي , ومهارة ادارتها للملف الدبلوماسي وعلاقتها مع العالم , ولكن سر قوة الانظمة يتأتّى من تماسكها الداخلي , فالحصار على الجمهورية الاسلامية من قبل امريكا والغرب لو كان وقع على دول اخرى لانهار اقتصادها اولا ولنعكس على ادائها السياسي , لكنها استثمرت الحصار في تفجير الطاقات المبدعة لشعبها , وحولت خارطتها الى ورشة من العمل بدأ من المفاعل النووي الى صناعة السيارات , كما حولت ارضها الى مزرعة , لتصل منتجاتها الى ابعد نقطة في العالم , فيما السعودية الى الان , تستورد ابرة الخياطة !!
أما في الجانب العسكري , فقد استطاعت ايران أن تقوّم المؤسسة العسكرية , سواء على مستوى تاهيل الجيش وتدريبه أو على مستوى تسليحه , حتى باتت تعد من الدول المتقدمة , وفي كافة الصنوف البرية والبحرية والجوية , ناهيك عن الحرس الثوري الذي بات يشكل الظهير الاقوى والدعامة الاساسية للقوات المسلحة .
تقول إيريكا سولمون مراسلة صحيفة الفاينانشال تايمز لشؤون الشرق الأوسط، في تقريرها الذي نشرته قبل يومين “الخطوات التصعيدية” التي اتخذتها السعودية خلال اليومين الماضيين تشير إلى أن “الحرب الباردة بين ايران والسعودية في طريقها للتحول قريبا إلى حرب ساخنة”.
لكن التقارير على الارض تقول غير ذلك حيث أكدت مراكز الدراسات الروسية(بات يترسخ الشعور في إيران إن مجريات الأحداث في المنطقة تسير لصالحهم وأنهم باتوا لاعبين اقليميين أساسيين لا يمكن تجاهلهم وهذا الدور له علاقة بمكانتهم تاريخيا وقدراتهم وامكاناتهم في الوقت الراهن حسبما يرون.) كما ان الجميع يرى أن التهديدات السعودية لا تقوى ان تتحول الى اجراء عسكري , فليس لها من حدود مع ايران , ولا امكانياتها العسكرية والمالية والسياسية تؤهلها لذلك , ناهيك انها داخلة في اتون حرب مع جارتها اليمن قد استنزفت امكانياتها وادخلتها في ورطة دون نهاية واضحة , وان الشعب في المملكة لايوافقها المغامرة خاصة في جزئه الشرقي . ونختم بما جاء في على لسان الرئيس روحاني (السعودية “ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا بتحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ومعاداتها لإيران من جهة أخرى”.)